الرئيسية تقاريركيف تُصنع السرديات الكارهة في السياق السوري

كيف تُصنع السرديات الكارهة في السياق السوري

تحليل آليات صناعة الانقسام وخطاب الكراهية

بواسطة Author F
393 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

محمد الجسيم
لم تعد العبارات القاسية التي تغزو الفضاء السوري في السنوات الأخيرة، من قبيل (اقتلوا، احرقوا، ابيدوا، دواعش، خونة، فلول، انفصاليين) مجرد انفجارات لغوية في لحظة غضب، بل أصبحت جزءا من بنية خطابية تعيد رسم العلاقات بين السوريين وتحدد حدود الانتماء والعداء داخل المجتمع الواحد. فالكلمات هنا ليست أصواتا عابرة، بل أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، ولتحويل الاختلاف السياسي أو الديني أو المناطقي إلى مواجهة وجودية.

ومع سقوط النظام الدكتاتوري، وجدت البلاد نفسها أمام فراغ سلطوي هائل في المجال الرمزي، فانتقلت فجأة من خطاب واحد محكوم بأجهزة الدولة إلى فوضى خطابات متصارعة. بات كل فرد قادرا على صناعة رأي، أو نشر كراهية، أو إنتاج سردية قاتلة تُعمّم حادثة منعزلة على جماعة كاملة. هذا الانفلات لم يكن نتيجة ظرفية، بل أصبح ظاهرة قائمة بذاتها؛ ظاهرة تُنتج من الأسفل عبر منشورات قصيرة، نكات ساخرة، ومقاطع مصوّرة تتكاثر في فضاء بلا رقيب.

وثّقت “مبادرة بلّغ” لمكافحة خطاب العنف والكراهية[1] خلال ثلاثة أشهر (من تموز/يوليو وحتى أيلول/سبتمبر 2025) أكثر من 250 تبليغ، كشفت كيف تُنتج السرديات الكارهة من خلال شيطنة جماعات بأكملها، وتجريدها من إنسانيتها، وبناء تهديد وجودي متخيّل حولها. فالمشكلة لا تكمن في الشتائم المباشرة، بل في الروايات التي تُنسج حولها، تلك التي تحوّل الآخر من خصم سياسي إلى «عدو جوهري» وتُعيد تعريفه ضمن إطار يُسهّل إقصاءه أو تبرير العنف ضده.

من هنا، يحاول هذا المقال تفكيك آليات صناعة السرديات الكارهة في السياق السوري: كيف تبدأ من كلمة ونكتة؟ وكيف تُختزل جماعة كاملة في صفة واحدة؟ وكيف يتحول حدث فردي معزول إلى تهديد وجودي؟ ثم كيف تتبنى النخب هذا الخطاب وتمنحه شرعية رمزية؟

في تأطير تعريف لخطاب الكراهية:

أولا يشكل التمييز بين خطاب الكراهية وغيره من أنماط الخطاب ركيزة يجب توضيحها نظرا للخلط الحاصل، حيث إن خطاب الكراهية ليس مجرد شتيمة مباشرة ضد فرد بعينه، ولا هو انفعال فردي، بل هو إطار لفهم الآخر. هو “شكل من أشكال الاتصال يُنتج ويُعاد إنتاجه داخل سياقات متشابكة، يهدف إلى نزع الإنسانية عن جماعة مُستهدفة، أو استبعادها، أو تصويرها كتهديد، مستفيدا من البُنى الاجتماعية واللغوية والتقنية لمنصّات التواصل، بحيث يؤدي تكراره وانتشاره إلى تشكيل جماهير معادية أو مضادّات جماهيرية. وبالتالي، فالخطاب ليس مجرد كلمات، بل بنية اتصال[2] تتكوّن من:

  • الفاعلين (الأفراد والجماعات، السلطة) الذين ينتجون الخطاب.
  • البنية التقنية التي تسمح بتضخيمه (خوارزميات + وسائط التفاعل).
  • السياق الاجتماعي والسياسي الذي يمنحه معنى وقدرة على التأثير والانتشار.
  • الوظيفة التي يقوم بها (إقصاء، شيطنة، تعبئة عدائية، تبرير للعنف).

بهذا الفهم، يصبح خطاب الكراهية نظاما اتصالي يعيد تشكيل المجال العام من جديد، ويكون موجه بالتحديد ضد جماعة لها خصائص متمايزة كالدين او الطائفة أو العرق أو الجنس أو الجنسية إلى ما هنالك من الخصائص المولودة.

عادة يرتبط تصعد خطاب الكراهية ببنية مركّبة من عوامل متعددة، تلخصها دراسات الخطاب في سبعة عوامل رئيسية: (الاستقطاب السياسي، الازمات الاقتصادية، الخطاب الشعبوي، التكنولوجيا ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي، صدمة الاحداث الكبرى كالهجمات الإرهابية، التوترات الدينية والعرقية [3]. وللمفارقة نجد أن كلها اجتمعت في الحالة السورية، بما يشبه غرفة مليئة بمواد سريعة الاشتعال، لا تحتاج إلا لشعلة متناهية بالصغرة حتى ينفجر الوضع.

ألية صنع خطاب الكراهية والسرديات الكارهة في السياق السوري؟

السرديات الكارهة لا تولد من فراغ، بل تُبنى عبر سلسلة من الآليات الاجتماعية والنفسية والإعلامية التي تجعل من تعليق عابر مادة أولية لصياغة «إطار تفسيري» كامل يُعاد من خلاله تنظيم الوعي الجمعي. ومع تراكم هذه الآليات، يتحول الاختلاف الطائفي أو الديني أو القومي أو المناطقي إلى مواجهة وجودية بين جماعات، لا إلى خلاف قابل للنقاش أو الاحتواء.

لقراءة التقرير كاملاً وبصيغة ملف PDF يُرجى الضغط هنا.

[1] مبادرة مكافحة خطاب العنف والكراهية (بلّغ): مبادرة تطوعية تأسست عام 2025 استجابةً لتصاعد خطاب الكراهية والتطبيع مع العنف عقب سقوط الدكتاتورية في سوريا. تضم المبادرة باحثين ونشطاء ومهنيين سوريين، وتهدف إلى الحد من الخطاب الكاره لما يخلّفه من آثار خطيرة على السلم الأهلي والمسار السياسي. تعمل عبر ثلاثة مسارات مترابطة: تفعيل المساءلة القانونية بالتعاون مع شبكة محامين داخل سوريا وخارجها؛ تطوير نموذج لغوي يعتمد على الذكاء الاصطناعي باللهجة السورية لرصد المحتوى التحريضي؛ وتنفيذ حملات توعوية وإنتاجات إعلامية تفكّك السرديات العنيفة وتقدّم بدائل قائمة على المواطنة. تسعى المبادرة عبر هذه المسارات إلى إعادة ضبط حدود الخطاب العام وبناء فضاء تواصلي أكثر أمانًا وشمولًا.

[2] Niklas Barth et al., ‘Contextures of Hate: Towards a Systems Theory of Hate Communication on Social Media Platforms’, The Communication Review 26, no. 3 (2023): 209–52, https://doi.org/10.1080/10714421.2023.2208513.

[3] Negi Advocate and Dr Chitranjali, ‘The Rise of Hate Speech Around the World’, SSRN Scholarly Paper no. 4719266 (Social Science Research Network, 7 February 2024), https://doi.org/10.2139/ssrn.4719266.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد