تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.
1. مقدمة:
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، توقّف عمل عدد من مؤسسات الدولة السورية المرتبطة مباشرة بالحقوق المدنية الأساسية، وفي مقدمتها دوائر الأحوال المدنية، قبل أن يُعاد تفعيل بعضها تدريجياً في عدد من المناطق خلال الأشهر اللاحقة. غير أن هذا الاستئناف الجزئي لم يشمل شمال شرق سوريا، حيث بقيت دوائر الأحوال المدنية متوقفة بشكل كامل منذ يوم السقوط، دون أن يُستأنف عملها حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
استناداً إلى الإفادات التي تم جمعها لغرض هذا التقرير، فقد كانت دوائر الأحوال المدنية في محافظة الحسكة، خلال فترة حكم النظام السابق، تعمل ضمن ما يُعرف بـ”المربع الأمني”، وتدار فعلياً من قبل مؤسسات الدولة المركزية، وترتبط مباشرة بقاعدة البيانات العامة للسجل المدني التابع للحكومة. وبعد سقوط النظام، عاد موظفو السجل المدني إلى وظائفهم، إلا أن الجهات المسيطرة ميدانياً آنذاك –وهي قوات الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة للإدارة الذاتية– أبلغتهم بتعليق العمل وإغلاق الدوائر بشكل مؤقت، إلى حين اتضاح المشهد العام في البلاد. غير أن هذا التعليق المؤقت تحوّل لاحقاً إلى توقف طويل الأمد، في ظل عدم التوصل إلى تفاهمات بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية في دمشق.
وفي هذا السياق، وبحسب الشهادات التي وثقتها “سوريون”، أقدمت الحكومة الانتقالية لاحقاً على قطع خط البريد عن كامل مناطق الإدارة الذاتية، وهو الخط الذي كان يربط محافظة الحسكة بقاعدة البيانات العامة للدولة، ويستخدمه موظفو دائرة الأحوال المدنية للوصول إلى السجلات المركزية وتحديثها. وقد أدّى هذا الانقطاع التقني إلى شلّ عمل السجل المدني بالكامل، حتى في حال توفر الكوادر البشرية، نظراً لاعتماد هذه الدوائر بشكل أساسي على الربط المركزي لإجراء أي معاملة رسمية. ورغم هذا التوقف الكامل عن العمل، لا يزال موظفو السجل المدني يتقاضون رواتبهم الشهرية حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، حيث تستمر الحكومة الانتقالية في دمشق بدفع الرواتب عبر تطبيق يُدعى “شام كاش”.
2. خلفية:
وفي سياق تتبّع الظروف التي أدّت إلى تعليق عمل دوائر الأحوال المدنية في شمال شرق سوريا وبداية تعطّلها المؤسسي بعد سقوط النظام، تحدثت “سوريون” مع “هشام”، وهو موظف في السجل المدني بالقامشلي، حول كيفية بدء هذا التعليق وطبيعته المؤسسية، حيث أوضح ما حدث قائلًا:
“توقفنا عن العمل تماماً يوم سقوط النظام، حين سيطرت قوات الأسايش على الدوائر الحكومية وطلبت منا العودة إلى منازلنا ريثما يتم إبلاغنا بالعودة إلى الدوام، لكن حتى اليوم لم يحدث أي جديد”.
وقد أسفر التعليق الكامل لعمل السجل المدني، دون صدور قرار بإعادة التفعيل أو اعتماد ترتيبات بديلة، عن فراغ قانوني وإداري واسع في حياة المدنيين/ات في هذه المناطق. وقد انعكس هذا الفراغ في تعذّر تسجيل الوقائع الأساسية والحصول على المستندات المدنية، وما ترتب على ذلك من مساس مباشر بالحقوق الأساسية المرتبطة بالاعتراف القانوني.
ويُكمل “هشام” توصيفه لتداعيات هذا التوقف قائلاً:
“من تداعيات توقف عمل السجل المدني في المنطقة أن الآلاف من الولادات في مناطق شمال شرق سوريا لم يتمّ تسجيلها إلى اليوم، وكذلك تخلّف الأطفال الذين وصلوا لعمر 15 سنة عن الحصول على هوياتهم، إضافة إلى أن مئات عقود الزواج لم يتم تثبيتها في المحاكم، فضلاً عن عدم تقييد الكثير من حالات الوفاة والطلاق”.
يأتي هذا الواقع بخلاف مناطق أخرى من البلاد عادت فيها مؤسسات الأحوال المدنية إلى العمل، مثل العاصمة دمشق، حيث أعلنت الجهات الرسمية عن استئناف تقديم خدمات السجل المدني في مراكز خدمة المواطن منذ آذار/مارس 2025، بما يشمل إصدار القيود والشهادات المدنية الأساسية. ويُبرز هذا التفاوت الجغرافي اختلالاً بنيوياً في ضمان الحقوق المدنية داخل البلاد، في وقت كان يُفترض أن يشكّل الإعلان عن الاتفاق السياسي بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، في 10 آذار/مارس 2025، مدخلاً لمعالجة هذا الخلل حيث تضمّن مبادئ عامة تتعلق بضمان الحقوق ودمج المؤسسات المدنية، ومعالجة ملفات مرتبطة بالخدمات الأساسية. غير أن الشهادات تشير إلى أن هذا الاتفاق، “لم ينعكس عملياً على ملف الأحوال المدنية” حتى تاريخ إعداد هذا التقرير في أواسط كانون الثاني/يناير 2026.
ولفهم تداعيات هذا التوقف المستمر وآثاره القانونية والعملية على المدنيين/ات في شمال شرق سوريا، أجرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” ست مقابلات معمّقة مع محامين، وموظفين سابقين في السجل المدني، وإعلاميين، وأشخاص متضررين من توقف عمل المؤسسات المعنية بالشؤون المدنية. وقد جرى الحصول على موافقة المشاركين المستنيرة بعد توضيح الطابع الطوعي للمشاركة وطرق استخدام المعلومات المقدّمة، بما في ذلك الاستعانة بمقتطفات من شهاداتهم في هذا التقرير. كما أكد جميع الشهود رغبتهم في عدم كشف هوياتهم أو أي معلومات قد تؤدي إلى التعريف بهم، وبناءً عليه، اعتمدت هذه الورقة استخدام أسماء مستعارة عند الإشارة إلى الشهادات الواردة فيها.
3. الواقع الميداني ونتائج إغلاق السجل المدني في شمال شرق سوريا:
خلال عام 2025، تحوّل الوصول إلى الوثائق المدنية الأساسية في شمال شرق سوريا من خدمة إدارية اعتيادية إلى مسار مُرهق يفرض أعباء مالية وأمنية متزايدة، ويُنتج في حالات عديدة فراغاً قانونياً فعلياً. وتُظهر الشهادات التي يستند إليها هذا التقرير أن الإشكالية تتعلق بتعطّل كامل ومستمر لدوائر الأحوال المدنية الرسمية، بما ينعكس مباشرة على قدرة الأفراد على تثبيت وقائعهم الأساسية –كالولادة، والزواج، والوفاة، والهوية، والقيود المدنية– وما يرتبط بها من حقوق وحماية قانونية. في هذا السياق، يوضح “آلان”، وهو مدير شركة لتعقيب المعاملات في شمال شرق سوريا، التحوّل الجذري الذي طرأ على آلية الوصول إلى الخدمات المدنية، قائلاً:
“فيما سبق كان الناس يتوجهون لمدينة الحسكة لاستخراج الأوراق المدنية أو جوازات السفر… أما الآن فعليهم التوجه إلى دمشق، وغالباً ما يتطلب الأمر التواجد بشكل شخصي لإجراء هذه المعاملات”.
ولا يقتصر هذا التحوّل على مسافة السفر الطويلة فحسب، بل يمتد إلى الكلفة والقدرة على المتابعة، كما يضيف “آلان”:
“إنّ توكيل محامين لإجراء مثل هذه المعاملات يتطلب تكاليف كبيرة جداً، وبالتالي هناك سماسرة تبتز الناس بالمال”.
من منظور حقوقي، يؤدي فرض السفر كشرط فعلي للحصول على الوثيقة إلى تمييز في الوصول إلى الحقوق المدنية، تُحدده القدرة على الدفع وتحمل المخاطر، بما يقوّض مبدأ المساواة أمام القانون ويحوّل الحق إلى امتياز.
يتجلى هذا الأثر بشكل أكثر حدّة في تسجيل الولادات، بوصفه المدخل الأول للاعتراف بالشخص أمام القانون. يوضح “ريناس”، وهو محامٍ من القامشلي، أن:
“كان لإغلاق السجل المدني آثار سلبية على حياة معظم الناس، كالعجز عن استخراج الوثائق الرسمية، وعدم القدرة على الحصول على البطاقة الشخصية، وصعوبة تسجيل الولادات والوفيات… إن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى تضخم عدد السكان غير المسجلين، مما يمكن أن يخلق جيلاً نسبة عالية منه لا تمتلك قيوداً رسمية”.
وتتجسد هذه المخاطر في التجربة الشخصية لـ”محمد”، وهو تاجر مواشٍ من القامشلي، حيث يروي محاولته تسجيل ولادة طفله قائلاً:
“لم تكن هناك أي جهة رسمية لتسجيل ولدي على دفتر عائلتنا، لذا توجهت إلى دمشق، لأن الدوائر الحكومية في مناطقنا مغلقة كلياً”.
ويشرح كيف اضطر للتنقّل أكثر من مرة بين القامشلي ودمشق، بعد أن أُبلغ بأن نموذج بيان الولادة الذي يحمله “يخص النظام السابق ولم يعد معمولاً به الآن”، مضيفاً:
“طلبوا مني أن أعود للقامشلي وأقوم بتعبئة النموذج الجديد وختمه من الطبيبة المشرفة وطبيب الأطفال والمشفى، ثم العودة إلى دمشق… وبعدها طُلب مني توقيعه من وزارة الصحة في دمشق”.
قانونياً، لا يُعد هذا المسار مجرد تعقيد إجرائي، إذ أن تأخير أو تعذّر تسجيل الولادة يعلّق الاعتراف القانوني بالشخص، ويؤثر على سلسلة من الحقوق اللاحقة، مثل التعليم والتنقل، بما يمسّ جوهر الحق في الشخصية القانونية.
ولا يقتصر التعطيل على تسجيل الولادات، بل يمتد ليشمل مختلف الوقائع المدنية. يؤكد “محمد” أن:
“كل أمر له علاقة بالدوائر الحكومية الرسمية في مناطقنا يتطلب التوجه إما إلى دمشق أو دير الزور، مثل عقود الزواج أو استخراج إخراج قيد أو جواز سفر، وهذه مشكلة كبيرة للناس”.
وتتفاقم التداعيات في حالات الوفاة، حيث يوضح “هشام”، موظف السجل المدني في القامشلي، أن توقف التسجيل يمنع إصدار بيانات الوفاة اللازمة لحصر الإرث، ما يعطّل مباشرة حقوق الورثة والتصرف بالملكية. ويبيّن خطورة هذا التعطيل قائلاً:
“بينما قد يُؤجَّل تثبيت زواج في ظروف محددة، لا يمكن عملياً تأجيل آثار الوفاة أو حقوق الورثة دون مساس مباشر بمراكز قانونية قائمة”.
ويمتد هذا الأثر إلى الملكية والتصرفات العقارية. يشرح المحامي “ريناس” أن تعطّل السجل المدني ينعكس مباشرة على السجل العقاري ويعوق نقل الملكية وتثبيت الحقوق العينية. ويؤكد “آزاد”، وهو صحفي من القامشلي، هذا الواقع ميدانياً بقوله:
“بات شراء المنازل يتم بضمانات شخصية، مع غياب إثباتات رسمية مكتملة، والاكتفاء بعقود مكاتب عقارية أو اتفاقات خاصة بين البائع والمشتري”.
يرفع هذا الوضع من مخاطر النزاعات، ويُضعف الحماية القانونية للملكية، ويُنتج هشاشة تعاقدية تؤثر على استقرار المعاملات المدنية.
كما تُظهر الشهادات حالة عدم يقين قانوني بشأن الاعتراف بالوثائق الصادرة عن سلطات محلية غير معترف بها. وفي هذا الإطار، يوضح “آزاد”:
“رصدنا حالات فقدان للهوية الشخصية لبعض المواطنين، وهو ما يترتب عليه تقييد فعلي لحركتهم داخل سوريا… ويُطلب منهم تنظيم ضبط رسمي بفقدان الهوية، لكن غياب مراكز شرطة تابعة للدولة في شمال شرق، يثير تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت الدوائر الرسمية في دمشق ستعترف بضبط صادر عن الأسايش”.
وفي ظل غياب أي ضمانات قانونية واضحة، يعبّر “إسماعيل”، وهو إعلامي من القامشلي، عن حالة قلق عميق وانعدام يقين حيال مستقبل الأطفال غير المسجلين، قائلاً:
“إن لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة الانتقالية والإدارة الذاتية، فإن تخوّفنا كبير من أن يبقى الأطفال بلا هوية أو أي إثبات شخصي”.
ويحذّر “ريناس” من أن استمرار هذا الفراغ قد “يؤدي إلى ظهور حالات تزوير للوثائق الرسمية”، ومع اتساع اقتصاد “الوساطة”، تتعمق الفوارق في الوصول إلى الحقوق المدنية، بما يكرّس تمييزاً قائماً على القدرة الاقتصادية ويقوّض مبدأ سيادة القانون.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية مضاعفة في شمال شرق سوريا في ضوء التجربة التاريخية لإحصاء الحسكة الاستثنائي لعام 1962، الذي حرم آلاف الأسر الكردية من الجنسية السورية وما ترتب عليه من انتهاكات واسعة للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية.[1] إن استمرار الفراغ الحالي في مجال التسجيل المدني يعيد استحضار تلك المعاناة التاريخية، ويُفاقم القلق من آثار تراكمية طويلة الأمد على الاعتراف القانوني بالسكان وحقوقهم الأساسية.
4. الأطر القائمة والحلول المطروحة وحدودها القانونية:
في ظل الإغلاق المستمر لدوائر الأحوال المدنية الرسمية في شمال شرق سوريا، برزت خلال العام الماضي مجموعة من المقاربات الجزئية التي سعت إلى التعامل مع الفراغ الإداري والقانوني القائم. غير أن الشهادات التي يستند إليها هذا التقرير تُظهر أن هذه المقاربات، رغم ضرورتها العملية، بقيت محكومة بقيود قانونية وسياسية مشتركة حالت دون إحداث أثر مستدام أو توفير حماية قانونية حقيقية للمدنيين/ات.
يوضح المحامي “ريناس” أن الإدارة الذاتية حاولت التخفيف من آثار التعطيل عبر إجراءات محلية، قائلاً:
“تستطيع الإدارة الذاتية إصدار وثائق محلية لتسيير أمور الناس اليومية داخل مناطقها، كما يمكنها توثيق الولادات والوفيات والزواج والطلاق ضمن سجلات خاصة، المشكلة أن هذه الوثائق غير معترف بها، ولا يمكننا التكهن بمستقبلها القانوني”.
يُبرز هذا التوصيف جوهر الإشكالية: فغياب الاعتراف القانوني لا يحدّ فقط من قابلية استخدام هذه الوثائق خارج المنطقة، بل ينعكس أيضاً على ثقة الأفراد بقيمة التوثيق ذاته وجدواه على المدى المتوسط والبعيد. وفي هذا السياق، يطرح الصحفي “آزاد”، تساؤلاً يعكس هذا القلق العام:
“هل يمكن الاعتماد على الوثائق أو الدفاتر العائلية التي تصدرها الإدارة الذاتية في استخراج جواز سفر أو هوية شخصية أو تثبيت الزواج؟”.
ويرى “آزاد” أن هذا الواقع يضع المواطن عملياً أمام خيارين كلاهما مُكلف: إما الاعتماد على وثائق محلية تسهّل الحياة اليومية دون ضمانات قانونية، أو تحمّل أعباء السفر إلى دمشق أو دير الزور، بما يرافق ذلك من تكاليف مالية ومخاطر أمنية.
وفي محاولة لتجاوز هذا الفراغ، طرح بعض من قابلتهم “سوريون” مقترحات لحلول إسعافية، من بينها فتح مكاتب ارتباط مؤقتة تابعة للسجل المدني المركزي، وأرشفة الوقائع المدنية إلكترونياً إلى حين التوصل إلى تسوية مؤسسية. ويعتبر “ريناس” أن هذا الخيار ممكن من حيث المبدأ “إذا تم نقل هذه البيانات رسمياً بعد الاتفاق بين الحكومة والإدارة الذاتية”، إلا أنه يشدد في الوقت ذاته على أن أي توثيق لا يقترن بتفويض قانوني واضح وآلية اعتراف لاحقة يظل محدود الأثر، وقد يخلق إشكاليات إضافية بدل معالجتها.
من جهة أخرى، تؤكد شهادة “هشام” العامل في السجل المدني بالقامشلي، أن العوائق تبدأ من غياب التوافق السياسي موضحاً:
“تعتمد طبيعة العمل بشكل أساسي على الشبكة التي تربط دائرة الأحوال المدنية في الحسكة بقاعدة البيانات العامة للدولة، وهي مقطوعة تماماً الآن، ما يجعل العودة إلى العمل متعذرة حتى في حال توفر الكوادر”.
وتُظهر هذه المعطيات مجتمعة أن الحلول المطروحة تبقى رهينة غياب الاعتراف القانوني والتنسيق المؤسسي الملزم. ويؤدي استمرار هذا الوضع إلى نقل عبء حماية الحق في الشخصية القانونية من الدولة إلى الأفراد أنفسهم، بما يحمله ذلك من مخاطر تمييز فعلي، وغياب تدريجي للحماية القانونية، وتقويض لمبدأ المساواة أمام القانون.
ومع استمرار تعطّل مؤسسات السجل المدني، يجد آلاف السوريين/ات أنفسهم في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في وضع قانوني معلّق، حيث لا يقتصر أثر غياب الوثائق الرسمية على الجانب الإداري، بل يمتد إلى تقويض الحق بالمواطنة وتعريض أجيال كاملة لخطر انعدام الهوية القانونية.
5. التوصيات:
تُبيّن الشهادات والوقائع الواردة في هذا التقرير أن استمرار إغلاق دوائر الأحوال المدنية في شمال شرق سوريا يُشكّل أزمة حقوقية بنيوية تمسّ جوهر الحق في الشخصية القانونية والاعتراف بالوقائع الأساسية. وقد أدى هذا الوضع إلى إعادة توزيع الوصول إلى الحقوق المدنية على أساس القدرة على التنقل وتحمل الكلفة والمخاطر، بما يخلق واقعاً غير متكافئ ويُعرّض شريحة واسعة من السكان لخطر فقدان الحماية القانونية. كما أظهر التقرير أن الحلول المحلية أو الإسعافية، رغم ضرورتها العملية، تبقى محدودة الأثر ما لم تُقرن باعتراف قانوني واضح وتنسيق مؤسسي مُلزم، وأن غياب إجراءات تنفيذية فعلية للاتفاقات السياسية المعلنة يفاقم الفراغ القائم بدل معالجته. وبناءً عليه، تبرز الحاجة إلى تدخلات عاجلة ومحددة تُعيد الاعتبار لمسؤولية الدولة في ضمان الحقوق المدنية، وتمنع تراكم آثار يصعب تداركها مستقبلاً.
5.1 إلى الحكومة السورية الانتقالية:
- تحمّل المسؤولية القانونية الكاملة عن ضمان الحق في الشخصية القانونية، عبر إعادة تفعيل دوائر الأحوال المدنية في شمال شرق سوريا، أو اعتماد آليات بديلة معترف بها رسمياً إلى حين إعادة الافتتاح الكامل.
- ضمان عدم تعليق أو تقييد الحقوق المدنية الأساسية أو استخدامها كأداة ضغط في أي خلاف سياسي أو تفاوضي، وضمان استمرار خدمات السجل المدني بوصفها التزاماً قانونياً على عاتق الدولة.
- إصدار إطار قانوني وتنفيذي واضح للاعتراف بالوقائع المدنية التي حدثت خلال فترة الانقطاع (الولادات، الوفيات، الزواج، الطلاق)، دون فرض أعباء إضافية.
- إعادة تفعيل الربط التقني والمؤسسي للسجل المدني وضمان استمرارية الخدمة وإعلان جدول زمني شفاف لمعالجة ملف الأحوال المدنية، مع تحديد المسؤوليات وضمان المساءلة.
5.2 إلى الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا:
-
- الاستمرار في توثيق الوقائع المدنية ضمن سجلات منظمة وقابلة للتدقيق، مع ضمان حماية البيانات وأرشفتها لمنع ضياعها أو العبث بها.
- إبلاغ السكان بوضوح بحدود الاعتراف القانوني بالوثائق المحلية، وآثار استخدامها داخل وخارج المنطقة.
- الدفع باتجاه اعتراف رسمي بالوثائق الموثقة خلال فترة الانقطاع، عبر قنوات تفاوض مؤسسية مع الحكومة الانتقالية.
[1] نتيجة إحصاء الحسكة في عام 1962 تم تقسيم السكان إلى ثلاث مجموعات:
- المواطنون/ات السوريون/ات: احتفظوا بالجنسية السورية الكاملة، وشكّلوا الفئة التي أُدرجت أسماؤها في السجل المدني دون تغيير.
- أجانب الحسكة: شُطبت أسماؤهم من سجل المواطنين وأُدرجوا في سجل خاص، وصُرفت لهم بطاقات حمراء مميزة تحمل عبارة “لم يرد اسمه في عداد العرب السوريين نتيجة إحصاء عام 1962”. هذه البطاقات لم تكن تخوّلهم السفر أو التملك أو التوظيف، بل مثّلت رمزاً للتمييز.
- مكتومو القيد: وهم الأشخاص الذين لم تُسجّل أسماؤهم في أي سجل على الإطلاق، ولم يحصلوا على أي وثيقة رسمية. لا يُعتبرون قانوناً حتى “أجانب”، بل معدومي الوجود المدني، فلا يملكون أرقاماً وطنية أو شهادات ميلاد أو وفاة.
للمزيد من المعلومات أنظر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “غرباء في وطنهم”… إحصاء الحسكة الاستثنائي من العام 1962 إلى مسار العدالة الانتقالية في سوريا. 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
