آل شريف ..  قبل أن تُختصر العائلة في خبر  

في مدينة بانياس، في حي القصور المطل على المتوسط، كان بيت المهندس مالك شريف يشبه المدينة التي يحتضنه: هادئاً، مفتوح النوافذ للضوء، وممتلئاً بإيقاع البحر. لم يكن ذلك البيت مكاناً عادياً، كان مساحة تُحترم فيها الكلمة، ويُقدر فيها العلم، ويُربى فيها الأبناء على أن قيمة الإنسان بما يصنعه من أثر.

مالك… الذي كان يرمّم الحجارة

مالك… الذي كان يرمّم الحجارة

عمل مالك شريف مهندساً مدنياً، وتولّى إدارة آثار بانياس لسنوات طويلة. قضى ربع قرن من حياته في ترميم قلعة المرقب، يتعامل مع الحجارة القديمة كما لو كانت أمانة شخصية. كان يعرف أن حماية التاريخ ليست وظيفة فحسب، بل مسؤولية أخلاقية.
خارج عمله، كان مزارعاً يحب أرضه، وأباً يربّي أبناءه على الصدق مع النفس قبل أي شيء. رجلٌ يعرفه أهل مدينته بسيرته الطيبة، وبعلاقاته التي لم يترك فيها خصومة خلفه.

يوسف… الذي كان يرى المستقبل واسعاً

وُلد يوسف عام 2006، وكبر وهو يختبر حدود قدرته بنفسه. لم ينتظر ما يُقدم له، بل بحث عما يوسع أفقه. أحب الرياضيات، وأتقنها حتى صار من المتفوقين في مدينته. تعلّم اللغات عبر الإنترنت، وشارك في تجارب تعليمية خارج سوريا، ثم عاد ليحقق نتيجة لافتة في الثانوية العامة (239/240)، قبل أن يبدأ دراسة الطب.
لم يكن شغفه منصبّاً على الدرجات فقط، بل على الفكرة نفسها: أن يكون قادراً على أن ينفع الناس. كان يؤمن بتوازن العقل والجسد؛ يدرس بجدّ، ويمارس الرياضة بانضباط. وفي سنته الجامعية الأولى، حقق معدلاً (94/100)، رقم لم يشهد عليه يوسف، وبقي شاهداً على طموح لم يُمهل الوقت ليكتمل.

 

 

هادي… الذي كان يقول: “أنا مبسوط”

وُلد هادي عام 2007، وكان مختلفاً بطريقته الهادئة. متفوّق دراسياً، لكنه اختار التعليم المهني في المجال النفطي لأنه كان يرى مستقبله مهندساً في هذا القطاع. وحين ضاقت الظروف المعيشية بالعائلة، لم يتردد في العمل بعد دوامه المدرسي في محمصة ليساهم في مصروف البيت.
كان يوازن بين العمل والدراسة بثبات، محافظاً على المركز الأول في مدرسته. وذات يوم، حين اعتذرت له والدته عن قسوة الظروف، ابتسم وقال ببساطته: “أنا مبسوط.”
لم تكن الجملة عابرة؛ كانت طريقته في حماية قلب أمه من الشعور بالذنب، وفي إعلان رضاه بما يستطيع تقديمه.

آذار 2025

في آذار 2025، تحول الحي على محركات البحث إلى شاهدة قبر، كل نتائج البحث أصحبت مرتبطة بالموت، ومعه توقفت حياة مالك ويوسف وهادي، كما توقفت حياة كثيرين في الساحل السوري.  في لحظة واحدة، انقطعت سيرة بيتٍ كان ممتلئاً بالخطط الصغيرة للمستقبل: امتحانات قادمة، مشاريع ترميم، وأحلام مؤجلة إلى صيفٍ آخر.

دُفن مالك ويوسف وهادي، إلى جانب جيران لهم من الحي نفسه، لم تعد الألقاب مهمة، ولا الشهادات، ولا القصص الصغيرة التي تشاركها العائلة على وجبة طعام. وصار الاسم يُذكر في سياق “حادثة” و“حصيلة”، وبقيت الأم وابنتها الصغرى تواجهان فراغ بيت لم يكن الفقد وحده فيه هو التحدي، بل محاولة فهم عالمٍ يمكن أن يخسر فيه الإنسان كل شيء دفعة واحدة.

تم الاستناد في سرد قصة العائلة إلى شهادة السيدة سوزان نعمان، التي فقدت زوجها وولديها

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد